السيد جعفر مرتضى العاملي
318
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
ويقول أيضا : " . . كيف نفهم الحوار كحقيقة موضوعية . . هل كان الله سبحانه في مقام استشارة للملائكة فيما يريده من خلق الخليفة أو كان في مقام إخبارهم بذلك . . لا بد من رفض الشق الأول من السؤال لأن الاستشارة تنطلق من محاولة الوصول إلى الرأي الأصوب الذي يستتبع الجهل بالواقع مما يستحيل نسبته إليه تعالى . . فإذا كانت القضية إخبار عما يريد الله فعله ، فكيف نفسر اعتراض الملائكة عليه ، مع أننا نعرف من خلال القرآن الكريم ، أنهم ( عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ( الأنبياء 26 - 27 ) . وهنا يعود السؤال من جديد كيف نفسر الحوار . . ونقول ربما تكون القضية واردة مورد التساؤل أمام الإخبار ، وليس هناك ما يوجب اعتبار السؤال اعتراضا ، فإن طبيعة الموضوع تدفع للتساؤل عن سر الحكمة فيه . . وتثير الدهشة والاستغراب . . فكيف يخلق الله مخلوقا ليكون خليفته في الأرض ، في الوقت الذي تتمثل حياته في التمرد على الله بالفساد وسفك الدماء . . إن القضية تشبه اللغز بحسب طبيعتها . . وفي هذا الإطار يمكن أن تكون القضية جوابا عن سؤال أثاره الملائكة لكشف الموضوع ، ويمكن أن تكون جوابا عن سؤال تفرضه طبيعة القضية ، بعيداً عن أجواء الحوار الحقيقي . . وقد نستطيع أن نتبنى الفقرة الثانية ، لأن الآيات بمجموعها توحي بأن في القضية نوعا من التحدي الذي يوجه نحو الملائكة ، بإثارة محدودية علمهم من جهة ، وبتوجيه السؤال إليهم لإظهار عجزهم وتكليف آدم بالإجابة عنه . . وقد يقرّب هذه الفكرة . . أننا لا نفهم الوجه في إدارة هذا الحوار مع الملائكة . . فإن حوار الله مع مخلوقاته ينطلق غالبا من القضايا التي تتعلق بمسؤولياتهم وتكاليفهم ، أما أن يكون متمثلا في الأمور التكوينية التي يريد إيجادها فهذا ما لا نعرف له وجها . . ومن الطبيعي أن هذا لا يعتبر مانعا عقليا عن حمل اللفظ على ظاهره ، لا سيما وأننا لا نملك الكثير من المعرفة لعالم ما وراء الطبيعة ، فنحن لا نعرف كيف يقولون ، وكيف هم ، وما هي العلاقة بينهم ، وبين الله سبحانه ، وما هو الجو الذي يمكن أن يعيش فيه هذا الحوار . . كل هذا لا نملك له سبيلا للمعرفة فان هذه القضايا مما نعرف وجودها بشكل ضبابي لأننا لا نجد وسائل الإيضاح التي تجعلنا نتمثل الفكرة بوضوح . . إننا نستقرب اعتبار الموضوع أسلوبا قرآنيا لتوضيح الفكرة ولكننا لا نجزم بذلك ، لأن المعطيات التي قدمناها لا تدع مجالا للجزم . . بل ربما نلتقي ببعض الأحاديث المأثورة التي تدعم الفرضية الأولى . . فيما يأتينا من حديث . . " ( 1 ) .
--> ( 1 ) من وحي القرآن : الطبعة الأولى ، ج 1 ص 152 - 154 .